1- العلامة الشيخ صالح بن عبد الله بن مسعود العزري
ولد العلامة الشيخ بن صالح بن عبد الله بن مسعود بن حمد بن محمد بن صالح العزري السليفي في بلدة السليف في ولاية عبري , وقد كان زاهدا , تقيا , و قاضيا , وقد عينه الإمام سلطان بن سيف اليعربي قاضيا في حصن الغبي في ولاية عبري , وقد الف – رحمه الله – العديد من الكتب في أحكام الفقه , والشريعة وقد اندثرت أغلب مؤلفاته , وما بقي منها القليل نذكر منها : كتابه (بصيرة الاديان) الذي تحدث فيه عن أحكام القتل , والقصاص , والنساء , وكتاب آخر تحدث عن(أحكام القصاص في الجوارح , والعفو عن القصاص, والدية), وقد كان رحمه الله مرجعا للعديد من العلماء , والادباء في عصره , وأوقف العديد من كتبه , وكتب الآخرين حتى يستطيع العامة من الناس الاطلاع والإستفادة منها , حيث أوقف لها ولخدمتها نخيلا في بلدة السليف , ولا يزال الوقف موجودا على الآن بها.
2- العلامة الشيخ عمر بن مسعود بن ساعد المنذري
يعد العلامة الشيخ الكبير عمر بن مسعود بن ساعد المنذري من علماء القرن الحادي عشر الهجري , وهو من بلدة السليف بولاية عبري , كان رحمه الله ورعا زاهدا , متعففا , عكف على كتابة العلم , ودراسته وأخذه من علماء عصره , وقد نبغ في علوم الطب الذي اشتغل به زمانا , ومارسه وكان يقصده الناس من كل مكان منهم من يستفتي ومنهم من يستشفي , ومنهم من يسترشد , كما نبغ –رحمه الله- في علوم الفلك والرياضيات فقد كان يكتب كتب العلوم بيده , فجمع الكثير من الكتب العلمية مما مكنه من تأليف كتابه الجامع (( كشف الاأسرار المخفيه في علم الأجرام السماوية والرقوم الحرفية)). وللعلامة رسالات في الفقه والأدب والطب , وقد رافق – رحمه الله- العديد من علماء وفقهاء زمانه , وكان ملازما لحلقات العلم والعلماء , توفي رحمة الله عليه بعد صلاة الظهر من سنة (1160) هجري , بعد ان اوصى بما يلزمه , فجمع أقاربه وذويه وأشعرهم بقرب وفاته , حيث دفن في موطنه في بلدة السليف في ولاية عبري وذلك على ربوة وما زالت باقية. ولأهمية مؤلفاته فقد قامت وزارت التراث القومي والثقافة بطباعة مؤلفه الكبير (( كشق الأسرار المخفية في علم الاجرام السماوية والرقوم الحرقية)).
3- الشاعر الأديب راشد بن خميس بن جمعة الحبسي
ولد بقرية (عين بني صاروخ ) بوادي العين في ولاية عبري سنة تسعة وثمانين بعد الألف من الهجرة (1089هـ) وقد شاء القدر أن يحرم شاعرنا من نعمتين منذ طفولته وهما نعمة البصر ونعمة حنان الأبوين ،حيث فقد بصره وهو أبن ستة أشهر ومات أبواه وهو في السابعة من عمره الرغم من ذلك فقد عوضه الله بموهبة الشعر ،وقد طلبه الإمام بلعرب بن سلطان اليعربي ،للانتقال إلى جبرين ليقوم برعايته وتربيته وتعلم في ظله علوم القرآن ،وعلوم اللغة .فأصبح شاعرا مجيدا ،وأديبا حاذقا وخاض في جميع فنون الشعر وبعد وفاة الغمام بلعرب بن سلطان اليعربي انتقل شاعرنا إلى الحزم بالرستاق ؛ ليعيش هناك في كنف الإمام سيف بن سلطان اليعربي إلى مات ثم عاش مع أبنه الإمام سلطان بن سيف الثاني حيث كان بارا به محبا لنبوغه وشاعريته وقد ترك لنا هذا الشعر موروثا قيما في مجال الشعر ؛ مما حذا بوزارة التراث القومي والثقافة بطباعة ديوانه المسمى (ديوان الحبسي ).
4- العلامة الفقيه القاضي الشيخ خميس بن رويشد المجرفي
عاش خلال فترة حكم اليعاربة ،حيث كانت له مكانة علمية كبيرة بين الناس جعلته مرجعا في كثير من الأمور الفقهية ،وقد ألفا العديد من الكتب في مختلف العلوم ، وقد تولى رحمه الله القضاة في العديد من البلدان منها ضنك حيث قام القاضي خميس بن رويشد المجرفي وهو يومئذ قاضيا على ضنك بمساعدة الإمام ناصر بن مرشد اليعربي أثناء محاولته فتح الغبي في ولاية عبري وعندما تمكن الغمام من فتحها جعل الشيخ خميس بن رويشد واليا عليها .
5- الشيخ العلامة خلف بن سنان بن خلفان الغافري
هو الشيخ العالم الفقيه والشاعر البارع خلف بن سنان بن خلفان الغافري من علماء القرن الحادي عشر الهجري استقر في شبابه في بلدة الدريز في ولاية عبري وقد عاصر بعض الأئمة الدولة اليعربية .حيث تقلد مهام القضاة بمدينة نزوى وقد كان عالما في مجال الفقه وبليغا في النثر والأدب وبارعا في الشعر حيث كان يكتب الشعر الفصيح في جميع المجالات في النصح والحكمة والرثاء والفخر والمدح . وقد قام الشيخ سيف بن بن حمود بن حامد البطاشي بتجميع بعض قصائده في ديوان (إيقاظ الوسنان في الشعر وترجمة الشيخ خلف بن سنان ) .وهو صاحب علم الكشف كما ذكره العلامة الشيخ نور الدين السالمي في" تحفة الأعيان ".
6- الشاعرعلي بن ظاهر الماجدي
مولــده
من الصعب جداً ان نقف على تفصيل حياة هذا الشاعر لبعد الشقة بيننا وبينه من ناحية ولعدم توفر ترجمة كتابية عن حياته من جهة أخرى ..
وما وقفنا عليه في ذلك إنما هي روايات من أفواه بعض العارفين من المسنين في دولة الإمارات.
وقد اختلفت هذه الروايات في مولد إبن ظاهر ونشأته .. فمن قائل انه ولد في قرية الذيد من أعمال الشارقة مستنداً في ذلك إلى ما جاء في أشعاره عنها وعن وصف نخيلها .. ولكن ذلك في رأينا ليس دليلاً قاطعا لمولده فيها .. فقد تعرض ابن ظاهر في أشعاره للذيد كما تعرض لغيرها من مناطق الإمارات وقراها .. ومن قائل انه ولد في رأس الخيمة بمنطقة الساعدي .. ودليله على ذلك ان الشاعر كان ملمّا بأحداث هذه المنطقة وكثيرا ما كان يتردد ذكرها في اشعاره وخاصة حادثة المعيريض المفجعه. وقد تكون هذه الرواية أرجح لدينا من الاولى لسببين
أولاهما :
ان الانسان إذا تقدمت به السن أصبح كثير التحنان والشوق إلى وطنه وهذا ما يفسر لنا كثرة تردد اسم تلك المنطقة في شعر ابن ظاهر وتعرّضه لكثير من أحداثها.
ثانيهما : من المعروف ان إبن ظاهر في آخر حياته قد استقر بالخرّان ودفن بأرضها بناء على وصيته .. وما يزال قبره معروفاً فيها إلى الآن وفي ذلك قال قبل وفاته بقليل :
ما بين سيح أو ساحل منقادي ** هناك وين العين طاب منامه
وفي رواية لأحمد بن مصبح بن حموده بان الشاعر ابن ظاهر ولد بالقرب من منطقة الخرّان ونشأ بها وترعرع على أرضها وعندما اشتد عوده وأصبح من القادرين على تحمل الأخطار والضرب في الأرض اخذ يتنقل في مدن الامارات وقراها .. وفي آخر عمره استقر في الخرّان
وتوفي فيها ودفن بها .. ويذكر لنا الراوي ايضا ان ابن ظاهر قد أجرى بعض التجارب على الاراضي التي أحب ان يدفن فيها بعد موته . وكانت لديه دريه بدفنها في التراب حيث حل حولاً كاملاً ثم يعود لنبشها فيجدها وقد أكلها التراب .إلا التي دفنها في الخرّان وجدها باقية على حالها لم تتغير .. لذلك أوصى بدفنه فيها .وكان ابن ظاهر كما يروى عنه وكما تدلنا أشعاره أيضا انه رجل بدوي اعتاد التنقل في أرجاء المنطقة شأنه في ذلك شأن البدو الرّحل الذين ينتجعون مواقع القطر ومنابت الكلأ .. وله في ذلك عدة قصائد يذكر فيها كثيراً من تلك المواطن التي كان ينتجعها .. واليكم الأبيات التي يذكر فيها تلك المناطق بالاسم :
ورويت لرض من شرق أو غرب ** وأسقت كلما حازت اعماني
من افيوي الينوب إلى الشمال ** من الظفره إلى سيفة إدهاني
وروي الرمل مع سيح الغريف ** ووادي المكن داناه المداني
على نزوه وما حاز الهباب ** ووادي الجرن واسقانا زماني
وأسقت من فلاح إلى العذيب ** مجوج الماء ثمان في ثماني
على الصجعه وما حاز العشوش ** على البطحاء وتمت روهجاني
على رمل الحويمي والغدير ** وسيح اليلح مخضر المثاني
على تاهل وعثمر والغويل ** على وادي سلام أو سيهجاني
من غرى ﭼﺪ روح الغالي ** فوق حول اسمان لاقيته
بو مضيمر والردف عالي ** من ورا لثياب خصّيته
حافظ على تاهل واهاليه ** واللي سكن لحليو يفداه
غزلان رينا في مفا ليه ** بالحل يا ريم لقفناه
إلى كفا وما حاز الخرير ** مشرجة تباحيل الدباني
على المزرع وخطا والهزوع ** مهايفة إلى مريال ثاني
على كلبا وما حاز الجبال ** من البلدان من قاصي أو داني
وجاد الجود منها في الشمال ** على البدوان ساحبة الجناني
وجاه السيل من روس الجبال ** وجل إغفاه وامتلت المغاني
وسوت لرض عشب زين لون ** يشوج رايده لي جاه عاني
وجابوا حي شوقي من ابعيد ** وبنو في مغانيها المباني
وطاب النوم من عقب الهموم ** وجابوا صاحبي ملبعدداني
حسين الصور مجلود الخصور ** لكنه من ظبي سيح اليماني
سوى عن لكنها عين ريم ** وعنق مثلما عنق الدماني
وراس أسمر جاني سبيب ** كما الغربيب واجنا منه جاني
وصلوا يا حضور على ** الرسول عدد مالاح براق اليماني
تاريخ مولد ابن ظاهر :
عاصر ابن ظاهر فترة من عهد الدولة اليعربية التي قامت في عمان سنة 1024هـ ... ودليلنا على هذا إن ابن ظاهر قد مدح أحد أئمة هذه الدولة وهو الإمام سيف بن سلطان الملقّب بقيد الأرض و الذي تولى الإمامة في عام 1104 هجرية وتوفى عام 1123 هـ بعد حكم دام تسعة عشر عاماً. يقول ابن ظاهر في قصيدته التي يمدح بها قيد الأرض – سيف بن سلطان :
نرعى القفور إبلا سبور ولا لنا ** دور يدور وهو مرد الجامه
في ظل بوسلطان لي يهين العدا ** اللي رقى من العز ذروة سنامه
لي ييت ريت مجالس مفتوحة ** وصياني تركض بها خدّامه
وللأسف إن هذه القصيدة قد ضاعت ولم يبق منها إلا هذه الأبيات الثلاثة على ألسنة الناس.
إتصاله بقيد الأرض :
فقد اتصل شاعرنا بهذا الامام وامتدحه بعدة قصائد لم نعثر منها إلا على أبيات متفرقة من أفواه بعض الحفاظ المسنين وقد مر بنا ذكرها .. وما دمنا بصدد ذكر تلك الحقبة التي عاشها الشاعر ..فيحسن بنا أن نتطرق بايجاز إلى التعريف بالدولة اليعربية الفذة التي عاصر الشاعر إنتصاراتها لنستطيع أن نستشف من عهدها البيئة الثقافية التي عاش فيها الشاعر ابن ظاهر.
الاهتمام بالناحية العلمية والثقافية في أيام اليعاربة :
ومن الجدير بالذكر أن الأئمة اليعاربة رغم أعباء المسؤولية الجسيمة وانشغالهم بجهاد المستعمر البرتغالي الذي يحتل أرضهم .. لم يشغلهم كل ذلك عن قامة المدارس ودور العلم والثقافية وتشجيع المعرفة .. وفي ذلك يحدثنا حميد بن محمد بن رزيق في كتابه الفتح المبني بان بلعرب بن سلطان بن سيف اليعربي كان يقال له ابو العرب لكرمه الزائد وهو الذي عمّر يبرين ونصب مدرسة للعلماء والمتعلمين رغّبهم ببذل المال وأكل الفواكه . فنال العلم بكرمه الطلبه فغدا من كان متعلماً فقيهاً عالماً ومن كان لا أديباً شاعرا ًمتصرّفاً بالعربية . ثم أنه يذكر لنا أسماء جهابذة العلماء الذي زخرت بهم الدولة اليعربية كالشيخ خلف بن سنان الغفاري – والشيخ سعيد بن محمد بن عبيدان وغيرهم جملة من الأدباء . وصاروا أدباء بكرمه كالشيخ راشد بن خميس وغيره.
ويروي المؤلف أن بلعرب أنشأ كثيراً من المدارس في عُمان لكنه خص مدرسة يبرين بالذكر لانها تعتبر بمفهوم عصرنا جامعة كبيرة ففيها يدرّس الفقه والنحو والصرف .. وغير ذلك من العلوم التي ساعدت على نشر الثقافة والعلم وتخريج العلماء والقضاة وعلى العموم فإن عصر الدولة اليعربية عصر لا يختلف عليه إثنان على أنه من أزهى وأزهر وأرقى العصور ثقافة وعلماً وأدباً في هذه المنطقة. ونحن حينما ندرك المستوى الثقافي الرفيع الذي عاشه شعب الدولة اليعربية في ذلك العصر والذي ألمحنا اليه قبل قليل عندئذ لا نستغرب أن يفرز مثل ذلك المجتمع الواعي المتألق بعلمه وثقافته وطموحه شاعراً فذّاً كبن ظاهر في خصائصه وميزاته.
مستوى الشاعر الثقافي :
إنه لأمر طبيعي لان يكون مستوى الشاعر مرآة صادقة لصورة مجتمعه في شتى مناحيه وعلاقاته وابرز ما يكون ذلك في علمه وثقافته . إذ يعبر مستوى الشاعر عن مدى ما وصل اليه ذلك المجمتع من علم وأدب وثقافة . والمستعرض لاشعار ابن ظاهر يقف مبهوراً أمام ثقافته الواسعة التي مكّنته من تصريفها في أغراضه الشعرية كما يشاء . فتعجب حين تقرأ له الأمثال المبتكرة والحكم النادرة والوصف البديع والمعاني العميقة يتوج ذلك اسلوب رفيع ولفظ جزل بديع وسبك رصين لا يقل في مستواه عن الفصحى لولا تساهل في النطق وتجانف عن الاعراب فهو يصدر منه عن فطرة مصقولة بالعلم ويؤاتيه عن طبع شحذته التجربه . فاذا أرجعته إلى أصله الفصيح وجدته الشعر السليقى المتمكن . واليكم المثال يقول ابن ظاهر مبتدئاً إحدى قصائده :
يقول الفهيم المايدي بن ظاهر ** والأمثال تسعفني بنايا قصوره
فلو أنك أردت ان تقراً هذا البيت باللغة العربية الفصحى لأمكنك ذلك دون إخلال بالوزن,
فتقول :
يقول الفهيم الماجدي ابن ظاهر ** والأمثال تسعفنى بناء قصوره
والقارئ الفطن لشعر ابن ظاهر يراه قمة في لغته الشعرية وأسلوبه البياني قريباً جداً من الشعر العربي لولا ما ذكرنا آنفا من ابتعاد عن قواعد اللغة وتسامح في النطق حسب ما تقتضيه اللّهجة العامية بعكس ما قرأناه من الأشعار العامية التي تلت عصر ابن ظاهر إذ أن الفارق بينهما وبني
الفصحى بعيد الشأ وواضح المعالم. وفي قصيدة اخرى له نجد اكثر من خمس عشرة بيتاً أقرب إلى الفصيح وهاكم الابيات :
نقا جوهر غالي في المسام ** بالأثمان كم ظال منها الظويل
قماش منقا بقطن موقا ** وشي تبقا قليل المثيل
تغالي التجار قماش الغزار ** والأزياء ما في شراها حجيل
وأثمار لاشجار حلو وذوق ** وفيها رزايا ودوح ظليل
والأنهار تجري بخبث وطيب ** عيون تجارى وهذاك غيل
ولفظ الأنام حلو ومر ** ولا الشري منها شرى السلسبيل
والناس أجناس بخيل يذم ** كريم يحيا ونذل بخيل
والأرض تعرا ويكسى عراها ** من الغيث أصناف ثوب جميل
لفاها طروق مشع البروق ** تمج الشدوق سحاب هطيل
هروق يروق ويحيى العروق ** تولوه أملاك نعم الوكيل
لها الرعد زاوي وشرتا زغاوي ** فهاج بكاها رميج الخليل
سرى بيهم هرج بكي وضحك ** وشمت المواشي وجهل الخليل
تطيب المفالي من أول وتالي ** وطاب الزلال عمار النخيل
وطهى نضالا بشوي وطبخ ** مقات الضعاف وطعم السبيل
لذيذ طعامه وحلو جناه ** تولوا حصاده بوزن وكيل
ولفوا عراها بقمصان خوص ** وعادت إمّاته إلى الدور حول
تنحوا وكل مضى في هواه ** عن الدار وانو ولشد الرحيل
تنحيت لي مثل غي السراب ** ومذ ضل عقلي تركت الصميل
ويوم دنا الشيب ولى الشباب ** أناخ ركاباً وحث الرحيل
دهاني المشيب بدولات حرب ** وهجن خطتها ملابيس خيل
من هذا المنطلق نرى ان ابن ظاهر قد كان على الجانب كبير من العلم والثقافة . ولو كان الشاعر خلواً منهما لما استطاع ان يأتي بهذه الدرر الثمينة والنفائس الكريمة التي خلّدها التاريخ على مدى ثلاثة قرون من الزمان تتداولها ألسنة الناس أمثالاً وأوصافاً وحكماً.
ودليل آخر يسند ما ذهبنا إليه من ثقافة الشاعر. وهو تنقلاته الكثيرة في أرجاء المنطقة رغم صعوبة المواصلات آنذاك .. والتي مكّنته من الاطلاع على ثقافات الآخرين .. فتأثر بها وتفاعل معها واكتسب بحكم هذه اللقاءات الكثيرة ثقافة وتجارب قيّمة مفيدة في هذه الحياة.
ولا نستبعد ان يكون ابن ظاهر قد نظم الشعر العربي الفصيح أيضاً وان كنا لم نقف له على شيء من ذلك .. إلا ان ما يمتاز به ابن ظاهر في شعره الشعبي من ملكات لغوية ومعطيات ثقافية وتصريف بياني بديع ومعان قوية عميقة تجلعنا لا نستكثر عليه نظم الشعر بالفصحى . ونحن حينما نقول بذلك فانما نستنتج رأينا هذا من قراءتنا لجواهر أشعار ابن ظاهر وعظيم آثاره . وإن كنا لا نملك الدليل المادي عليه إلا انه إحتمال تطمئن اليه نفوسنا ويميل اليه فكرنا .. فضلا عن ذلك فان ابيات ابن ظاهر في الشعر النبطي لا تكاد تبتعد عن الشعر العربي الفصيح ذلك البعد الذي يمكن ان يوجد بين العامية والفصحى .. وإنما هي قريبة الشبه به إلى حد ما من نواح كثيرة.
7- الشيخ خميس بن راشد الرويشدي الضنكي عاش في القرن الحادي عشر وكان أحد العلماء الذين عقدوا البيعة للإمام ناصر بن مرشد اليعربي
8- الشيخ أبي يعقوب محمد بن ربيعة بن زيد المربوعي كان أحد علماء الدولة اليعربية البارزين أدرك عصر كل من الشيخ الإمام بلعرب بن سلطان وأخيه سيف بن سلطان
9- الشيخ الوالي سليمان بن محمد بن ربيعة بن زيد المربوعي عالم فقيه عاش في أواخر القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر كان أحد العلماء الذين اجتمعوا لعقد الإمامة لسلطان بن سيف بعد وفاة أبيه وقد عينه هذا الإمام واليا على مدينة نزوى
10- الشيخ خنجر بن علي بن غفيلة الغفيلي عاش في القرن الحادي عشر في عهد الدولة اليعربية
11- الشيخ عثمان بن علي الشكري عاش في القرن الحادي عشر الهجري في ظل الدولة اليعربية
12- الشيخ صالح بن سعيد بن أحمد بن صالح عاش في القرن الثاني عشر الهجري وأدرك أواخر الدولة اليعربية
13- خلف بن محمد بن خنجر بن سعيد بن غفيلة الغفيلي عاش في عصر أواخر الدولة اليعربية في القرن الثاني عشر للهجرة وكان يعيش في ولاية ضنك
14- الشيخ الفقيه الرضي نعمان بن زاهر بن سيف الفيلاني الضنكي :
أحد أعلام عمان البارزين في فترة عصر اليعاربة والذي كان له وأسرته دور بارز في توحيد عمان في عهد الإمام ناصر بن مرشد اليعربي ( 1624 - 1649 ) .
وبداية أعتذر عن هذه المعلومات المختصرة التي سوف أقدمها لكم لأنه وكما أظن هذه أول ترجمة لهذا العالم ولم أطلع على أي ترجمه له إلا على ترجمة مختصرة وضعها الشيخ المؤرخ سيف بن حمود البطاشي رحمه الله في كتابه الإتحاف .
· اسمه ونسبه :
هو الشيخ الفقيه الرضي نعمان بن زاهر بن سيف بن راشد بن حجي بن زاهر بن محمود بن فيلان الفيلاني الضنكي.. ينتسب إلى قبيلة بني فيلان.. تلك القبيلة التي كانت تستوطن منطقة العلاية من ولاية ضنك.. وقد انقرضت هذه القبيلة.. وتلاشت من الوجود.. وأصبحت أثراً بعد عين.. وسبحان الذي يغير ولا يتغير.. ويفني ولا يفنى .
وقد استقرت هذه القبيلة في هذه المنطقة منذ أمد بعيد حيث وجدت أن الشاعر الكيذاوي قد ذكر هذه القبيلة مع عدد آخر من قبائل عمان عامة وولاية ضنك خاصة في قصيدته التي مدح بها الملك فلاح بن محسن النبهاني عندما توجه لمحاربة وادي بني خالد حيث يقول في قصيدة طويلة ما يلي :
وآل وحشي جميعاً في غطارفة من آل شكر أو من آل فيلان
وفيه آل عزيز مع بني عمر مع آل حمير مع عبس وذبيان
هذا وقد شاركت هذه القبيلة - بقيادة شيخها سيف بن راشد الفيلاني وابنه الشيخ زاهر بن سيف الفيلاني وقاضيهم الشيخ العلامة خميس بن رويشد المجرفي - في توحيد عمان تحت زعامة الإمام ناصر بن مرشد اليعربي ( 1034هـ - 1059هـ) حيث يقول في ذلك الشيخ المؤرخ نور الدين السالمي : (وجعل –أي الإمام ناصر بن مرشد - يجمع الجيوش والعساكر فاجتمع له خلق كثير فسار بهم إلى الظاهرة وافتتح وادي فدى وأمر ببناء حصنها ونصره أهل العلاية من ضنك وكان مقدمهم الشيخ العالم خميس بن رويشد ورجال الفياليين واستقام أمره بها رغم القالين ).
كما احتضنت هذه القبيلة.. مجموعة من العلماء والأدباء والشعراء.. حيث أصبحت علاية ضنك في عهدهم.. كعبة للعلماء.. وملاذاً للأدباء والشعراء .
· ملاحظات :
الملاحظة الأولى : لم استطع أن أتوصل إلى نسب قبيلة الفيلاني ولذا أتمنى من كان عنده معلومة أن يزودني بها وخصوصا أنني علمت أنه توجد بقايا لهذه القبيلة في ولاية منح بمنطقة معمد .
الملاحظة الثانية : وردت هذه القبيلة في كتاب تحفة الإعيان بسيرة أهل عمان للمؤرخ الشيخ السالمي باسم ( الغياليين ) بالغين وهذا خطأ بين لا يحتاج لا توضيح والصواب هو ( الفياليين ) بالفاء لذا أتمنى أن تصحح هذه الكلمه إذا أعيد طبع الكتاب مرة أخرى
· ولادته ونشأته :
نشأ هذا الشيخ وترعرع.. بين خمائل وأفانين علاية ضنك.. حيث كان آباؤه وأجداده يسيطرون على حصن بيت المنيخ ذلك الحصن الذي بناه أجداده.. ليكون مقراً لهم.. وملاذاً لقبيلتهم.. وعنوانا لسيطرتهم وقوتهم.. وبسط نفوذهم
وقد ولد – كما يظهر لي - في بداية القرن الثاني عشر الهجري أو قبله بقليل وذلك في عصر الإمام سلطان بن سيف اليعربي (1059هـ -1090هـ) أوبدايات عصر ولده الإمام بلعرب بن سلطان اليعربي (1090هـ - 1104هـ ) وقد شب هذا الشيخ وترعرع في علاية ضنك متنقلاً بين حصنها حصن بيت المنيخ ومسجدها مسجد الصاغة ذلك المسجد الذي كان مركز إشعاع ثقافي وديني حيث احتضن عدد من العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء فكم من الكتب قد ألفت في ساحته.. وكم من ناسخ للمؤلفات قد نسخ بين سواريه
· أبنائه :
لم أجد ذكراً لأبناء هذا الشيخ إلا ابن واحد منهم وهو الشيخ عبدالله بن نعمان بن زاهر الفيلاني وهو جد الشيخ علي بن ناصر بن علي بن عبدالله الفيلاني الذي كان آخر شيوخ هذه القبيلة حيث أنجب عدداَ من الأبناء منهم راشد بن علي وهداية وراية وزوينة وموزة بنات علي بن ناصر وبوفاة هؤلاء النساء انقرضت هذه القبيلة وتلاشت من الوجود.
· أعماله :
تزعم هذا الشيخ قيادة قبيلته.. فسار بهم سيرة حسنة.. واشتهر بين العام والخاص.. حتى صارت أخباره تتناقل من مكان إلى مكان.. ويتغنى الركبان بسجاياه وخصاله التي اشتهر بها حيث كان عالماً فقيهاً وشيخاً قبلياً فاضلا.. حيث يذكر صاحب كتاب إتحاف الأعيان أن للشيخ نعمان بن زاهر أجوبة على سؤالات بعض العلماء منهم الشيخ سعيد بن مسعود بن صالح الربخي الضنكي.
هذا وقد ذاع صيته وبرز وذلك بسبب تشجيعه للعلماء والأدباء والشعراء حيث ظهر في عصره عدد من الأدباء واستوطن في هذه الولاية عدد من العلماء ومن هؤلاء الشيخ خلف بن محمد بن خنجر الغفيلي والشيخ سيف بن خلف الغفيلي والشيخ سعيد بن خلف الغفيلي والشيخ عثمان بن علي الشكري والشيخ سليمان بن محمد المربوعي والشيخ سعيد بن مسعود بن صالح الربخي والشيخ سليمان بن علي بن مسعود المزاحمي والشيخ علي بن سرحان بن خميس اليحيائي والشيخ خلفان بن خالد بن خلفان الساعدي والشيخ صالح بن سعيد بن أحمد الضنكي .. كما ازدهرت عملية نسخ الكتب في عهده فكثير ما أجد نسخ من كتب بيان الشرع والمصنف ومنهج الطالبين وغيرها قد نسخت في علاية ضنك في زمنه.
· وفاته :
توفي الشيخ نعمان بن زاهر الفيلاني بعد حياة حافلة بالعطاء وذلك ساعة صلاة المغرب ليلة الجمعة صباح خامس من شهر جمادي الأول سنة واحد وستين ومائة وألف من الهجرة ( 1161هـ ) في عصر الإمام بلعرب بن حمير اليعربي .
15- الشاعر محمد بن عبدالله المعولي :
16- الشيخة عائشة بنت راشد الريامية :
إن الإنسان ليقف مبهوراً أمام سيرة هذه الفقيهة العابدة التي استطاعت أن تتبوأ درجة من العلم، حتى أصبحت فقيهة يفِدُ إليها طلاب العلم من كل حدب وصوب ليستفتوها فيما أشكل من أمور الدين، وغمض من أحكام الفقه، فهيا بنا نتعرف على هذه العالمة الفقيهة.
هي عائشة بنت راشد بن خصيب الريامية البهلوية، سكنت حارة الغاف من بهلا، عاشت في عصر اليعاربة في أواخر القرن العاشر، وبداية القرن الحادي عشر الهجري، وقد عاصرت ثلاثة من أئمة عمان وهم: الإمام بلعرب بن سلطان الأول بن سيف اليعربي، والإمام سيف الأول بن سلطان الأول اليعربي، والإمام سلطان بن سيف الأول ، اتصفت هذه البرة الرضية بالزهد والورع والتقى، وقد تتلمذت على يد كبار المشايخ والعلماء في عصرها، وقد أعطاها الله قوة في الذكاء، وعمقاً في الفهم، فاشتهرت بقوة علمها وغزارة إطلاعها، وبرزت في مجال الفتوى والفقه.
وبالإضافة إلى مكانتها العلمية فقد كان لها دور سياسي جسيم، حيث يذكره عبد الله الطائي بقوله: (ولقد شاركت هذه العالمة الجليلة في توجيه الحكم في عصر اليعاربة في عمان، فبعد أن خرج سيف بن سلطان على أخيه الإمام بلعرب طالباً توسيع النفوذ الخارجي ومطاردة البرتغال، في حين اهتم أخوه بالإصلاحات الداخلية، تمكن سيف من الاستيلاء على الحكم بعد وفاة أخيه في الحصن الذي حوصر فيه، فبويع من قبل الكثيرين إلا أن الشيخة بنت راشد رفضت مبايعته، وأصرت على أن يلزم بيته أولاً، وأن يبتعد عن الحكم، ثم ينظر في ذلك من قبل أولي الرأي في البلاد، ولم يستطع سيف أن يعارض هذه المرأة ، فترك مقر الحكم فعلا ولزم بيته يومين، حتى أرسلت هذه المرأة المسلمة إليه، وناقشته بجانب جماعة من أعيان البلاد في مخالفته لأخيه ثم بايعته على أساس الجهاد والعمل على الإصلاح، وبذلك عاد إلى ممارسة الحكم، وأصبح من بعد في طليعة أئمة عمان حتى سمي بقيد الأرض لسعة نفوذه).
وقد جُمّعت فتاواها في مجلدين تحت اسم جوابات الشيخة عائشة، ولعل لها مؤلفات أخرى في مجال الشريعة الإسلامية، ولكن للأسف فإن مؤلفاتها تلاشت، وكانت هذه المؤلفات توجد بالمكتبات في ولاية بهلا كأمثال مكتبة آل معد، ومكتبة آل مفرّج، ومكتبة الشيخ سالم بن راشد بن ربيعة العوفي الذي كان يسكن حارة الحدّاد بولاية بهلا، وروى جواباتها بعض العلماء مثل العلامة جميل بن خميس السعدي في كتابه (قاموس الشريعة)، وذكر فيه أنه قد أدركها وحفظ عنها.
ونقل بعض جواباتها في كتابه المذكور منها ما نصه:
(عن الشيخة ابنة راشد للضيف إذا كان أكله وحده أكثر مما أن كان رب الطعام حاضرا عنده استحيا منه أو تضيعا لأدب ومذهب أيسعه ذلك، ويكون سالما أم لا؟
الجواب: إنه كان يأكل معه على أي حال، وأما في حسن الخلق فلا يأكل معه إلا أن يكون من الكبراء، والله أعلم).
وليس بعجيب إذن على امرأة بلغت درجة الفتوى أن تكون مهتمة باقتناء الكتب، ومما يؤيد ذلك إطلاعنا على مخطوطة لكتاب المحاربة للشيخ بشر بن محبوب بن الرحيل رحمه الله – وقد كتب في آخر المخطوطة: (كتاب المحاربة – للشيخة التقية الرضية المرضية العالمة الزاهدة عائشة بنت راشد بن خصيب الريامية البهلوية) وهذا الكتاب يقع في أربعة وثمانين باباً، تتضمن أبواباً في العقيدة الصحيحة كالولاية والبراءة وما لا يسع جهله وما يسع جهله وغيرها، وأبواباً أخرى متفرقة كالإمامة والجهاد والدعاوى والقذف وذكر بعض الطوائف الضالة وغيرها من الفروع المهمة في الدين.
ولم تكتف الشيخة عائشة باقتناء الكتب التي يصعب امتلاكها في ذلك الوقت فحسب، ولكنها رأت أيضا أن نسخ الكتب له أهمية بالغة في حفظها من الاندثار، وذخراً للأمة عند تقلب الدهور والأزمنة وبقاءً للعلم، فطلبت من مسعود بن راشد بن حرمل بن مرشد المعمري الخروصي نسخ كتاب جوابات الشيخ أحمد بن مدّاد النزوي الذي هو من علماء القرن العاشر، وتم الانتهاء من نسخه ليلة الخميس لثمان ليال بقين من شهر رمضان عام 1128هـ، وفي مخطوط بيان الشرع الجزء الرابع عشر، ذكر الناسخ بأنها نسخة للفقيهة العالمة عائشة الريامية، وتم الانتهاء من نسخه في الثامن عشر من ربيع الثاني من عام 1128هـ.
ولقد كانت في عصرها- عصر اليعاربة نساء أخريات غيرها، اشتهرن بالعلم فما أعظمه من عصر انتشرت به تلك العالمات ليكن قبسا ترجع إليهن كل فتاة فيما أشكل عليهن في أمور دينهن ودنياهن ويكن شعلة تنير الطريق أمام كل فتاة تحب العلم وتسعى إليه.
توفيت العالمة الجليلة عائشة الريامية في عصر الإمام سلطان بن سيف الأول، بعد عمر قضته في كفاح من أجل العلم والدين، ودفنت ببهلا شمال الطوي الواقعة بمسجد العبّاد عليه لوح من الرباب مكتوب فيه اسمها وتاريخ وفاتها، ولا يزال قبرها معروفاً ولكن مع مرور الزمن تلاشى تاريخ وفاتها، ولكن اسمها لا يزال محفوراً في ذاكرة الأجيال يتـناقله الأبناء عن الآباء، وقد سميت مدرسة ببهلا باسمها تخليداً لذكراها العطرة.
17- الشيخ خميس بن سعيد الشقصي
18- الشيخ عبدالله بن محمد الكندي
19- الشيخ الزاملي
20- الشيخ الصبحي
21- الشيخ محمد بن جمعة بن عبدالله بن عبيدان
الاثنين، 21 فبراير 2011
علماء وأدباء الدولة اليَعْـرُبِيّة
الخميس، 17 فبراير 2011
مدرسة جبرين
العلم حياة الأمة
كان الإمام بلعرب بن سلطان رحمه الله رأى أن العمانيين قد بلغوا شأوا بعيدا في الزعامة، وأضافوا إلى عمان ممالك عديدة، أصبحت تلبي دعوتهم وتجيب نداءهم، ولهم صوت عال في العلم يتقدم يوما فيوما إلا أن العلم قليل بالنسبة إلى اتساع الدولة، وعلو شأنها واتساع رقعتها، والأمل في المقبل سيرها قدما، فإن جيوشها عبر الأقاليم في آسيا شرقا وغربا، ولها نشاط محسوس، فمالت نفسه إلى نشر العلم في عمان كما ينبغي تبعا لقوله عز وجل:فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ 43.
وكان من قدر الله أن زار عمان في هذه الأثناء أحد علماء الإباضية أهل المغرب، يقال له الشيخ عمر بن سعيد بن محمد بن زكريا الجربي من أهل جربه خاصة، فرأى أحوال عمان وتقدمها في العدة والعدد، واتصالها بالعالم الخارجي، ورأى جيوشها الضخمة، وجنودها الفخمة، وعساكرها المتحمسة،فسره ما رآه وابتهج بما رأى وسمع، وعلى كل حال إن المحب يسره تقدم أحبابه في الخير، ولكنه لاحظ معاهد العلم لا تقدم لها ولا نشاط فيها بالنسبة إلى نشاط الدولة، فكتب بلعرب كتابا يدعوه فيه إلى الالتفات نحو الناحية العلمية، والحقيقة كل يدعو إلى ما يجب، والعلم هو الحياة رغم كل شيء ولا عز ولا شرف إلا بالعلم، ولا ترتقب إلا به.
وهذا أمر مجرب معقول في كل جيل، فكان الشيخ الجربى جاء في نصيحته بتحقيق لا ينكر، ومقال لا يستنكر، بل بين كل شيء يلزم في هذا المقام، وتحدث في كتابه عن كل لزام ونبه وأيقظ وبين وحرض، وما قصر في سبيل ما هو بصدده، وعلى كل حال إنما تنجح المقالة في المرء إذا صادفت هوى في الفؤاد.
كانت رغبة الإمام مائلة إلى نشر العلم والاعتناء به، فجاء الشيخ الجربي فقدح الزناد وحرك الفؤاد، وأبان المراد ووضع الصلاح والسداد، واستفرغ الوسع في النصح والإرشاد، فكانت دعوته في هذه مستجابة ونصيحته بالغة مبلغها من الإمام رحمه الله، فقام بواجبه واجتهد مبلغ طاقته، وأمر بالتعليم في جميع نواحي عمان، وخصص مدرسة جبرين بالرعاية، فدعا العلماء والمبتدئين والطلبة من العمانيين فقابلهم بالإكرام التام، ورعاهم بالإحسان والإنعام، وغذاهم بأطيب الطعام، لتطيب نفوسهم وتنشط الأفهام، وتنتبه القلوب وتتسابق الطلبة، وتتقدم في ميدان الجد والاجتهاد فكان لهم أبا رحيما وسيدا كريما. قال الإمام السالمي رحمه الله.
مدرسة جبرين وذكر بعض المتخرجين
كان الإمام بلعرب رحمه الله المحب للعلم بطبيعة الحال، ومن أحب شيء أكثر من ذكره، ولما جاء الشيخ المغربي الجربي رحمه الله وكتب للإمام المرضى رحمه الله تلك النصيحة الصادقة التي أثارت حفيظة الإمام ونشطته، فأقام المدرسة بالقصر خاصة، وعين الغرف العالية من القصر لها، وهي غرف فاخرة جميلة، ذات رونق بديع لها اتصال بالفلج الذي في بطن القصر، ولا يرى من فيها في حال دخوله وخروجه أحدا من عوائل القصر وخدمه، للهندسة التي يسرها الله لهذا الإمام الجليل في هذا القصر العظيم، فإنه من بدائع البناء الذي يحتار فيه الواصف، فكان الإمام معهم ليلا ونهارا، وكان له اعتناء عظيم بهم، فكانوا إليه من شتى النواحي كما يقل القائل:
فكانوا يقبلون على حماه
كأسراب الظباء رأت معينا
فقامت لهذه المدرسة كبكبة من رجال العلم والأدب ، وشاع لها ذكر، وابتهج بها العمانيون غاية الابتهاج، فأثمر غراسها الثمر الحلو الذي تحيا به البلاد والعباد.
قال الإمام رحمه الله: فيقال إنه خرج من هذه المدرسة التي في حصن جبرين خمسون عالما كلهم أهل اجتهاد. قال: وقد أكثر الناس الثناء على هذا الإمام. قلت: إن الذين تخرجوا من هذه المدرسة أكثر من خمسين عالما بلغوا درجة الاجتهاد، فما ظنك بغيرهم ممن هم دونهم، وما ظنك بالأدباء والشعراء الذين استنار قرائحهم بنور
العلم، واتسعت مداركهم بقوة الفهم، وكيف لا يكونون كذلك وعواطف الإمام تربيتهم، ومراحمة حافة بهم، وعنايتهم شاملة لهم، والشجر إذا سقى طال واتسق وأثمر0
قال الإمام رحمة الله: فقيل أنة كان يخدمهم بنفسه هنالك، وكان يختار لهم العطورات المقوية للأذهان والأطعمة المولدة للحفظ اهتماما كليا من صميم القلب، قال ابن زريق، وهو يذكر حين جبرين ، قال: ونصب فيه مدرسة للعلماء والمتعلمين، قال: رغبهم يبذل المال وأكل الفواكه, فنالت العلم بكرمه الطلبة, فغدا من كان متعلما أي معه مبادئ علمية, فقيها أي اتسع أفق علمه, فصار في صف أهل العلم المنظور إليهم بأعين التوقير, وصار الطالب عالما.
قال: ومن كان أديبا أي له في الأدب صار شاعرا فحلا متصرفا في العربية, له فيها يد, فمن المتعلمين الذين صاروا بعد ذلك علماء جهابذة مثل الشيخ خلف بن سنان الغافري, والشيخ سعيد ابن محمد بن عبيدان وغيرهما كثير, قال: ومن جملة الذين تربوا بكرمه الشيخ راشد بن خميس الحبسي الضرير, وغيره. قلت: لم يذكر منهم الذين يستحقون الذكر علماء وأدبا وعبادا وزهادا وغيرهم وهذا من قصور التاريخ.
وتوفي الإمام بلعرب بن سلطان سنة1104أربع ومائة وألف أي في أول القرن الثاني عشر للهجرة.
مصادر ومراجع تناولت دولة اليعاربة
كُتُب تناولة دولة اليعاربة
# مصادر :
- ( كشف الغُمة الجامع لأخبار الأمة )
- ( تحفة الأعيان في سيرة أهل عُمان ) ، العلامة نور الدين عبدالله بن حميد السالمي .
- ( عُمان عبر التاريخ ) ، الشيخ سالم بن حمود بن شامس السيابي ، أربعة أجزاء .
- ( الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عُمان ) للمؤرخ العُماني حميد بن محمد بن رزيق .
- (المسترشد في سيرة الإمام ناصر بن مرشد ) لعبدالله بن قيصر .
# مراجع :
- ( الدعوة الإسلامية في عُمان في عهد اليعاربة من سنة 1034 - 1133 هـ ) للدكتور سالم بن محمد بن سالم الرواحي .
- ( جُهينَة الأخبار في تاريخ زنجبار ) للشيخ سعيد بن علي المغيري .
- ( دولة اليعاربة في عُمان ) عائشة السيار .
- ( دراسات في تاريخ الخليج العربي الحديث والمعاصر ) للدكتور بدر الدين عباس الخصوصي ، أجزاء
- ( سقوط الحكم البرتغالي في الخليج العربي ) د . محمد حسن العيدروس .
- ( عُمان: الديمقراطية الإسلامية تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي الحديث ) الدكتور حسين عبيد غانم غباش .
# دواوين شعر :
- ( ديوان محمد بن عبدالله بن سالم المعولي العماني )
- ( ديوان راشد بن خميس بن جمعة الحبسي النزوي العماني )
السبت، 12 فبراير 2011
تقلب الأحوال بجبرين
اعلم أن جبرين بعد موت الإمام بلعرب تقلبت به الأحوال، وتوالت عليه من الدهر أعمال، ولعبت فيه أيام الدولة اليعربية نفسها رجال لترى الأيام الناس في تبادلها بينهم أعمالا يعتبر بها العاقل، لقد تعب فيه الإمام بلعرب رحمه الله فأنفق في بنائه ثلاثا وعشرين كرا، وخزن فيه لحوادث الدهر مثلها، وبعد موت بلعرب تولاه أخوه سيف بن يلطان، وبقى في يده عهدا ثم عاد عليه ولده أي ولد الإمام بلعرب، وهو يعرب ابن بلعرب، فوجد في الحصن تخريبا فأصلحه، فبلغ إصلاحه أربعين ألفا، وسبب التخريب الحرب التي دارت بين سيف وبلعرب.
وبعد ذلك افترق آل يعرب وتخاصموا فيما بينهم، وقام كل واحد يدعي الزعامة له، واستنصر بعضهم بخلف بن مبارك المعروف بالقصير بصيغة التصغير، يعد ما كانوا يريدون عمان، وهم أهل الحل والعقد، وتعلق بعضهم بمحمد بن ناصر الغافري بعد ما كانوا مرجع الغافري والهنائي، قال أمر حصن جبرين أن يقتعده محمد بن ناصر ليجعله ملجأه الذي يلجأ إليه، ومأواه الذي يأوي فيه.
وكان العقد في كل شهر بثلاثمائة محمدية، ولعله حيلة مدبرة، فكان من قدر الله أن قتل محمد بن ناصر في حيلة بصحار في حال خصامه لخلف بن محمد، فقبض ناصر بن محمد بن ناصر على حصن جبرين، وبقى في يده عهدا ثم تآمر عليه اليعاربة فقبضوا عليه أي ناصر بن محمد عند باب بادي في بلد بهلى، فلم يقتلوه إلا بتسليم الحصن، فرأى الموت بين عينيه، ففدى نفسه بتسليم الحصن لهم، وبقي في أيديهم.
وكان بنو غافر يضمرون لهم العداوة فكان بجادين سالم يتحين غفلة اليعاربة حتى أمكنته الفرصة فقبض هذا الحصن في حال غفلة
اليعاربة، وعلى كل حال إن المأخوذ غافل والمطلوب مقهور يوما ما، ولما قبضة بجاد سلمه إلى ناصر بن محمد وعض عليه بالنواجذ، ثم إن بلعرب بن حمير بن سلطان وهو ابن أخي الإمام الباني مكنه الله من بجاد المذكور فقبض عليه.
وكان المذكور قاهرا لنزوى، فأدع بجاد السجن، ثم قتله في السجن بحصن نزوى، وعاد الحصن لآل يعرب وتمركزوا فيه، حتى عادت الأقدار لتنزعه منهم وتريهم ما يسوءهم فأخذ هذا الحصن بنو غافر سنة ست وثلاثين ومائة وألف بغد موت الإمام سيف بن سلطان قيد الأرض بثلاث عشر سنة، ولم يزل الحصن في يد بني غافر إلى سنة سبع وخمسين ومائة وألف، أي واحد وعشرين سنة، وهم يديرون الحيل لاسترداد إليهم فدخلوا في خادم لراشد بن حميد الغافري، وأدخلهم الحصن فتولوه، وبقي الخادم عند اليعاربة محترما، ولكن ماذا يكون من هذا الخادم الذي خان لآل يعرب، لابد يخون لغيرهم، ولا يطمئن إلى خائن إلا جاهل.
فبعد مضي ستة أشهر دخل الخادم الحصن بحيلة من العسكر القابضين له، وهم مطمئنون من الخادم لأنه كان معهم باطنا وظاهرا، فلما دخل أغلق الباب وأطلق الرصاص على العسكر فقتل منهم سبعة رجال، فاجتمعوا عليه وحصروه، وما يريد الخبيث؟ أيريد أن يكون سيد الحصن؟ فلم يقدروا عليه لأنهم لا يدرون أين هو، وإذا رأى أحدا منهم رماه ولكنهم أحرقوا الباب، وهجموا عليه بغير مبالاة، فلما أحس أنه مقتول أطلق النار على مخزون البارود، وكان مخزنا كبيرا يجمع أبهرا عديدة من البارود، فقام البارود كالرعد واشتعلت فيه نار عظيمة، فاحترق غالب الحصن، إذ ظلت النار تموج فيه كالبحر وطير قطعا كالسحاب وأخيرا تولاه آل يعرب وكان زعيمه محمد بن سليمان اليعربي، فقام عليه راشد بن حميد بن راشد بن ناصر بن محمد بن ناصر، وأحاط به هو وجماعته، وكانوا رهطا وكان زعيما مطاعا، فخرج منه محمد بن سليمان يوم سابع من شهر شعبان سنة تسع وخمسين ومائة ألف، وبقي آل يعرب في بهلى، فقام عليهم فيها فطردهم منها، وبقيت بهلى وجبرين في أيدي أولاد راشد بن حميد إلى أن أخرجهم منها الإمام عزان بن قيس رحمه الله.
ثم عاد إليهم عاد إليهم بعد انتهاء دولة الإمام المذكور، ثم أخرجهم منها الإمام سالم بن راشد الخروصي رحمه الله في عهده ولم تعد إليهم إلى اليوم، هذه أحوال جبرين التي تقلبت به أوردناها وإن خالفت أسلوب التاريخ للإفادة.
المصدر /
كتاب (عُمان عبر التاريخ ) للشيخ سالم بن حمود بن شامس السيابي ، الجزء الثالث .
من مصادر التاريخ العماني في عهد اليعاربة
من مصادر التاريخ العماني في عهد اليعاربة
"كتاب منثورة جوابات المشائخ"
المنثورات أنموذج يقترب من نمط التأليف الجماعي
أرض الباطنة .. جدل فقهي تاريخي امتد لقرون
في أحد النصوص : التسامح العماني في التعامل مع البرتغاليين
لمدينة صحار حضور بارز في نصوص الكتاب
إبان العصر الذهبي لعهد أئمة اليعاربة الذين حكموا عمان إبان القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين شهدت عمان حراكاً علمياً خلّف تراثاً علمياً لا نزال نتفيأ ظلاله إلى اليوم.
ومن أشكال التأليف التي انتشرت آنذاك جمع الآثار العلمية دون ترتيب لعدد من العلماء والفقهاء، وعكس هذا النوع من التأليف حضور العلماء في شتى نواحي الحياة وتأثيرهم في حركة المجتمع .
ويقترب هذا الصنف من التآليف مما يعرف بالتأليف الجماعي مضموناً ، وهناك من التآليف عند العمانيين ما عرف بالمنثورات وهي جمع مسائل عدد من العلماء في قالب واحد دون ترتيب ، لذا عرفت بالمنثورات. ومن النماذج لذلك متاب منثورة الأشياخ وديوان الأشياخ.
كتاب منثورة جوابات المشائخ
من أوعية التراث العلمي التي حفظتها لنا الأيام كتاب (منثورة جوابات المشائخ من علماء المسلمين) والأصل المخطوط من الكتاب محفوظ بدار المخطوطات بوزارة التراث والثقافة برقم 1265 . صدر المؤلف الكتاب بعبارة (هذه منثورة مختصرة بجوابات المشائخ من علماء المسلمين متعنا الله بوجودهم).
وفي ذلك ما يشير إلى معاصرة المؤلف أو جامع المسائل لأولئك العلماء أو بعضهم ، مع أن اسم المؤلف لم يرد في أول الكتاب ولا في آخره ، كما لم يأت الكتاب مبوباً ولا به ترتيب للأبواب كما في أكثر المخطوطات العمانية ، ولعل ذلك ما يميز المنثورات غير المبوبة وغير المرتبة. غير أنه رتب نصوص الكتاب حسب العلماء الذين أجابوا على تلك المسائل فجعل لكل عالم مسائله التي أجاب عليها ، ويظهر ذلك من التحمير (الكتابة بالمداد الأحمر) وهو ما يستخدمه النساخ في كتابة عناوين الأبواب ورؤوس المسائل.
وفي آخر الكتاب ورد اسم الناسخ (قاسم بن مسعود بن مقدح) ساكن مدينة صحار ، وسنة النسخ (1061هـ) أي في عهد ثاني أئمة اليعاربة الإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي . وذكر أنه نسخه لراشد بن عبدالله الوالي.
تضمن الكتاب عدد كبيراً من المسائل الفقهية عن علماء الصدر الأول من عهد اليعاربة وتصدر نصوصه مسائل عن الشيخ محمد بن عمر بن أحمد بن مداد وهو قاض وفقيه تتلمذ على بعض علماء القرن العاشر الهجري كالشيخ عمر بن سعيد بن معد البهلوي والشيخ عبدالله بن محمد القرن المنحي وأدرك قيام دولة اليعاربة وعاش في عهد الإمام ناصر بن مرشد وتولى القضاء له . والشيخ مسعود بن رمضان بن سعيد النبهاني الذي أخذ العلم عن الشيخ عبدالله بن محمد القرن أيضاً وكان أحد قضاة الإمام ناصر بن مرشد اليعربي وأحد قادة جيوشه . والشيخ صالح بن سعيد بن مسعود بن زامل النزوي الذي أخذ العلم عن الشيخ محمد بن عمر بن مداد وكان قاضياً للإمامين ناصر بن مرشد وسلطان بن سيف اليعربيين وله مسائل كثيرة في كتب الأثر. والشيخ عبدالله بن محمد بن غسان بن محمد بن غسان الخراسيني النزوي وهو أحد كبار العلماء في صدر عهد اليعاربة وكان والياً وفقيهاً وله كتاب خزانة الأخيار في شرح بيوعات الخيار ويقع في ثلاثة مجلدات.
ثم ينتقل المؤلف إلى أجوبة أكثرها عن الشيخ العلامة خميس بن سعيد بن علي الشقصي الرستاقي ، وهو رأس العلماء الذين عقدوا البيعة على الإمام ناصر بن مرشد اليعربي سنة 1034هـ وقد كان الإمام ربيباً له وتربى على يديه . تتلمذ على يد عدد من العلماء منهم الشيخ صالح بن محمد بن صالح النزوي ، وتتلمذ على يديه عدد من العلماء . كان أحد أركان دولة الإمام ناصر بن مرشد وأحد قادة جيوشه في إجلاء البرتغاليين . ترك الشيخ خميس الشقصي عدداً من التآليف أشهرها موسوعته الفقهية (كتاب منهج الطالبين وبلاغ الراغبين).
والناظر في كتب الفقه على مر الحقب التاريخية العمانية يجدها حافلة بالمادة التاريخية ، وقد أشرنا إلى ذلك غير مرة في قراءات سابقة. ولم يكن عهد اليعاربة عن ذلك بمعزل فكتب الفقه التي ظهرت في ذلك العهد مشحونة بالتاريخ. وبالنظر في الكتاب المذكور نجده احتوى على مادة تاريخية غزيرة حازت منطقة الباطنة ومدينة صحار نصيباً وافراً منها.
فمن النصوص التي تحفل بالكثير من الإشارات التاريخية: (ومنه في رجل من العمور بعد ظهور الحق في صحار بملك الإمام لها جاء إلى مال في يد رجل وقال هذا المال مالي وفي حوزي ومنعي إلى أن أصبحنا طايرين من صحار يوم أخذ عمير بن حمير والإفرنج لها ، قال الذي في يده المال القابض هذا المال مالي مخلف علي أو قال غير مخلف إلا مالي وملكي أحوزه وهو في يدي إلى هذه الساعة ، فهل تجب البينة بينهما قبل طيرة صحار والعمور منها ؟ أم هذه الساعة عند الدعوى؟ كيف الوجه في ذلك؟)
وفي نص آخر نقرأ إشارة إلى الصناعات الفخارية والخزفية التي اشتهرت بها مدينة بهلا: (ومن جواب الشيخ مسعود بن رمضان : فيمن أقر لزوجته بجميع ما في بيته ، ويخلفه من بعد موته من آنية الخزف إقراراً منه لها بحق وضمان لزمه لها ومات ، هل تكون الآنية التي من صنعة بهلا داخلة في الإقرار ، وكذلك الوعاء الخشفي الذي يجي من العجم ومن الهند؟ بين لنا ذلك . الجواب: أما أوعية بهلا فهي داخلة في الإقرار ، وأما الخشفي والأوعية التي تجي من الهند فليست تلك من أوعية الخزف ولا تدخل في الإقرار ، والله أعلم). ونجده في المقابل أشار هنا إلى ما يستورد من أوان بقوله: (الذي يجي من العجم والهند). ولعل العجم هنا بلاد فارس آنذاك.
البيدار والهنقري .. أنموذجان لخصوصية المصطلح العماني
حول الزراعة التي عرفها العمانيون منذ القدم ، وترتبت على الكثير من أشكالها أحكام فقهية وعرفت تفاصيلها باصطلاحات متداولة لا تخلو في كثير من الأحيان من خصوصية عمانية نجد النص الآتي حول العلاقة بين الفلاح (البيدار) وصاحب المال (الهنقري) وهو قوله: (في بيادير أهل الباطنة يتجر البيدار للقيض أو للصيف بكذا كذا جراب من القيض، أو بكذا كذا جري حب من الصيف ونفاق كذا كذا جري حب وكذا كذا جراب نفاق وكذا كذا لا يوة رشوة وكذا كذا لارية قرض لعى خدمة الصيف ، والبعض منهم يجعلوا أجرة البيدار قطاعة من الزرع كذا كذا من جلب الزرع شيء معلوم متفقين عليه ودخل البيدار في العمل عند الهنقري في الصيف أو القيض وتم عنده قدر نصف شهر أو أو أو أقل وطلع عنه وخدم عند غيره فرفع عليه الذي كان خادماً عنده أول وطلب منه إما أن يرجع إلى خدمته أو يسلم له ما سلمه إليه ، فقال البيدار ما عندي شيء ولا أرجع إليك وأنا أخدم وأوفيك ، ما الذي يجب في ذلك؟ وإن طلب البيدار الحساب من الهنقري بقدر ما خدم وقال الهنقري إما أرجع في الخدمة وأما مالك حساب عندي ، وإن اطلعه الهنقري من عمله من غير سبب أله جميع ما قوطع عليه من الإجارة أم به بحساب الأيام التي خدمها سوى أن طلع من ذات نفسه أو أطلعه من سبب أو بغير سبب ، كان الشرط عند الدخول إلى الصيف أو إلى القبض أو إلى كذا كذا شهر ، أكله سوي أم بينهما فرق في ذلك ؟ أنعم برد الجواب. الجواب: وبالله التوفيق ، أرجو أن هذا يخرج من الإجارات المجهولة)...
أرض الباطنة .. جدل فقهي وتاريخي امتد لقرون غابرة
في كثير من نصوص التراث العماني تطرح قضية أرض الباطنة وإشكالات حيازتها وزراعتها وما إلى ذلك من أشكال التملك والتصرف ، وتلك قضية تاريخية تعود إلى جذور بعيدة تشير بعض النصوص إلى أنها تعود إلى الجوائح التي حدثت في بعض أنحاء عمان سنة 251هـ في عهد الإمام الصلت بن مالك الخروصي أحد أئمة القرن الثالث الهجري ، بالإضافة إلى استيلاء بعض ما عرف بالجبابرة في اصطلاح الفقهاء والمؤرخين العمانيين على بعض بقاع الباطنة.
وفي الكتاب الذي نحن بصدده نجده تعرض لهذه القضية في عدة نصوص وبأشكال عدة منها مثلاً ما نصه:
(في الأفلاج التي تظهر في الباطنة من توابع صحار ، ناس أجبوا إلى فلج ودخلوا في عمله وخدموا فيه زماناً قدر النصف أو أكثر ، ولم يسقوا بمائه وساروا عنه وجبوه ناس آخرون أرادوا يحفروه بعد الأولين فعارضوهم فيه أصحاب الخدمة الأولى وأرادوا منعهم منه ، ألهم ذلك عليهم من أجل أنهم سبقوا عليه قبلهم وجرت فيه خدمتهم؟ أم هذا الفلج من الغوايب وحكمه للإمام يمنع من يشاء من خدمته ، وإن وجب حكمه للإمام وطلب الذين خدموا هذا الفلج أجرة خدمتهم من الإمام ألهم أجرة أو لا؟ وسواء جرى هذا الفلج أو لم يجر؟ وما حكم فلج غرابة أهو جاهلي أم إسلامي؟ أنعم برد الجواب.
الجواب: وبالله التوفيق إن الذي معي إنه كان الحافر الأول حفر هذا الفلج وتركه قبل أن يسيح منه الماء على أن لا يعود إليه فليس له منع غيره عنه ، ويسمى هذا الترك ترك اختيار ، وإن كان هذا الحافر تركه ليستعد له ويعود إليه فلا يجب لمن جاء من بعد أن يعارضه ،وهذا الترك يسمى ترك اضطرار ، فعلى هذا الوجه الأخير إذا جاء العاقب بعد المبتدئ وأخرج الماء وسقى به فالفلج لمن أحرجه وسقى ولمن حفر من قبل أجرته عليه ولا يبطل عناه إذا كان في نيته الرجوع إليه . وأما فلج غرابة فلم أجد فيه أثرا أعتمد عليه وإنما جاء الأثر في فلج صحم أنه كان يسقى في الإسلام وكان الإمام أطلقه للإمام في العلم والدين محمد بن محبوب رحمه الله . وأما أفلاج الباطنة في هذه الأيام لا يجوز فيها الدخول لأحد إلا برأي الإمام لأنها أرض يطؤها خف دولة الإسلام والله أعلم).
فنجده هنا تعرض لمسألة الأفلاج التي أحدثت فيما بعد، بينما نجده نص صراحة باسم أحد أفلاج الباطنة وهو فلج غرابة ، ثم استطرد المجيب وأشار إلى فلج صحم بأنه حكم فيه الإمام محمد بن محبوب وهو أحد علماء القرن الثالث الهجري كما هو معلوم.
وفي نص آخر حول الإشكال ذاته (أرض الباطنة) نجد ما نصه: (ومنه وفي أرض الباطنة التي هي ليس بملك لأحد إذا جاء رجل لأرض منها وقرح فيها طوياً أو قشب منها الشجر أو هاس أرضاً وسار عنها إلى غيرها ، ثم جاء رجل آخر فطلب الأول أجرة خدمته في هذه الأرض ، او أراد أن يمنع من أردا الزرع فيها لأنه يريد زرعها في السنة القابل ، أله ذلك أم لا ؟ . الجواب : قد جاء الأثر أن من جاء إلى موات من الأرض ليس فيها أثر عمارة ولا بناء ورثها وسقاها الماء فهو وورثته أولى بها من غيره ، ولا يجوز نزعها منه . وأما أرض الباطنة اليوم حكمها للإمام لا يجوز لأحد أن يتخذها إلا من تقدمت له فيها يد من قبل فلا تنزع من يده حتى يصح أنه مغتصب أو متغلب عليها ، وحكم الباطنة حكم الغوايب على ما جاء في الأثر والله أعلم).
ونجده في نقله لجواب من الشيخ خميس بن سعيد الشقصي أيضاً في أحكام أرض الباطنة يقول: (في الأرض الخوارج من الباطنة ، وما حكم المسلمين فيها؟ أعندكم أنها من الغوايب أم لا؟ أرأيت إن كانت من الغوايب فأين حدها من الغرب والشرق والجنوب والشمال؟ بينوا لنا ذلك لنا نجد في بعض الأماكن أثر أطوى وجلب للزرع يكون ذلك بقرب البلدان أو بعيدا عنها ، وأكثر الأماكن ما فها إلا السمر والغاف ، ومن حكم مولانا الإمام ناصر بن مرشد بن مالك الرستاقي والناس يفسلوا ويعمروا في تلك الأرض ، وولاة الإمام يأخذوا من تلك النخل والزرع العشر من قليل أو كثير ، أيكون هذا الأخذ على الصواب أو لا؟ الجواب: وبالله التوفيق أما أرض الباطنة فقد نطق بها الأثر مجملاً أنها من الغوايب ولا يجوز تمليكها أصلاً ، وأما حدها فلا نحفظ شيئاً في تحديدها ، والنظر يوجب أن يكون القول فيما فيه أثر العمارة دون الخرابات الخارجة عن العمار).
ففي هذا النص الأخير نجد التأكيد صراحة على عدم جواز تمليك الأرض من الباطنة عدا الحدود التي يراها أهل النظر ، والإشكال حاصل منذ قرون كما أسلفنا ، ويستنتج ذلك من خلال ما ورد من إشارات في بعض المصادر.
مدينة صحار في نصوص الكتاب
أشرنا في ديباجة هذه الأسطر إلى ناسخ المخطوط وإشارته إلى كونه من مدينة صحار ، كما ورد ذكر مدينة صحار في النصوص السالفة حول قضايا وإشكالات أرض الباطنة ، ونجد في نصوص الكتاب حضور المدينة في عدد من المسائل الأخرى ، منها مثلاً قوله : (ومنه في معرفة قياس حد الفرسخ من صحار إذا أراد أحد قياس ذلك أيبتدي بالقياس من جامع البلد الكبير الذي تجب فيه صلاة الجمعة السالف؟ أم حد عمران البلد يبتدي بالقياس وهل يكون بالذراع الذي جاء به الأثر ثلاثة اشبار أم بذراع الناس اليوم ، بيّن لنا جميع ذلك). وقوله: (ومنه في حد عمران صحار من الغرب والشرق لمعرفة القصر والجمع.
الجواب: يكون حكمها على ما سلف من غربي حدها وادي صلان ومن شرقها حدها وادي مجز وقول الوادي الصغير الذي دونه ، وكل بلاد على ما تقدم حكمها. والله أعلم).
وحول ذات الموضوع (قصر الصلاة) نجده يقول: (ومن غيره زيادة زادها الناسخ لهذا الكتاب الفقير لله ناصر بن ثاني في معرفة حد الفرسخين من جامع صحار الذي في الحارة المعروفة بحصن بالأحم بقرى ساحل البحر ، فإذا كنت قاصدا للشمال فإذا انتهيت إلى الشرجة المعروفة بأم الخلاقين من قرية عمق فهناك نهاية الفرسخين حساب كل فرسخ اثنا عشر ألف ذراعاً بذراعنا اليوم ، وإن كنت قاصداً إلى الجنوب فإذا أخذت الحساب من المسجد الجامع المذكور إلى حد موضع يقال له الحد وهو ما بين عوتب ووادي مجز من قرى صحار فهناك نهاية الفرسخين على ما قد بينته والله أعلم بصحة ذلك ، وبه التوفيق).
وهنا يصرح الناسخ بأنه النص زيادة من نقله وفي ذلك يتضح أنه ليس هو المؤلف أو الجامع ، ويشير إلى بلدان ومواضع في صحار كحصن الأحم وشرجة أم الخلاقين وقرية عمق وعوتب ووادي مجز والمسجد الجامع.
وفي سياق مسائل المعاملات نجد الإشارة إلى سوق صحار والعملات المتداولة آنذاك كما في النص: (ومنه إذا باع سلعة في سوق صحار بكذا أو كذا لارية فضة ، وكان صرف اللارية في البلد بالشاخ الفرخ والفلوس الصفر ، ولم يشترط الدلال بشيء معلوم عندما وجب السلعة بل قال قد بعته بكذا لاية فضة واختلفا عند تسليم الثمن صاحب السلعة طلب اللارية الخلاص والمشتري يريد أن يسلم جواز البلد من شاخ أو فلوس ، ما الذي يجب في مثل هذا؟ الجواب: إن كان نقد البلد مختلفاً فلا يجوز البيع إلا بشرط نقد معروف ، وإن لم يكن شرط بنقد معروف بين المتبايعين فالبيع منتقض حتى يكون على نقد معروف ، وإن كان نقد البلد واحد فله نقد البلد ، والله أعلم).
وفي سياق متصل نجد الإشارة إلى أن الأفلاج كانت تستخدم لتدوير الرحى التي تطحن بها الحبوب ، وتشبه هذه التقنية ما يعرف بالنواعير في بعض البلدان ، ونجد ذلك في قوله: (ومنه والأفلاج التي ظهرت في صحار والباطنة والقرايا إذا أراد الوالي أن يركب رحى على إحدى هذه الأفلاج لبيت المال رضوا أهل الفلج أو كرهوا أيجوز ذلك أم لا ؟ الجواب : أرجو أنه لا يجوز إلا برضى أرباب الأفلاج إلا أن تكون هذه الأفلاج محكوم بها لبيت المال والله أعلم).
كما أشار نص آخر إلى ظهور أفلاج في صحار في ذلك العهد وما نتج عن ذلك من إشكالات ، وذلك في قوله: (وكنت قد سألتك سيدي عن حجة هذه الأفلاج التي ظهرت الآن في صحار وممرها في أملاك الناس وتحت طرق ، وقلت لي في جوابك لي الأول أن الذين يتبعون السواقي المأثورة من قبل فهم أن يجددوها كما كانت ويصلحون الطرق حتى لا يكون مضرة على من يمر فيها فهذا الجواب يكون عاماً في أفلاج الباطنة التي تحفر اليوم؟ أم تعني إلا أفلاج عمان خاصة؟ فأنا أسألك سيدي عن هذه الأفلاج التي تخدم اليوم الآن وهي قديمة ، ما أحد يعلم بها أنها سقت في الإسلام ، خص لي سيدي الفرق في ذلك . الجواب: والله الهادي لطريق الحق والصواب : الحكم سواء في جميع الأفلاج التي في القرى كلها والله أعلم).
وحول أفلاج صحار والباطنة أيضاً نجد ما نصه: (ومنه ما تقول سيدي في هذه الأفلاج التي ظهرت في الباطنة في صحار وغيرها وتخطف تحت طرق المسلمين ألأصحاب هذه الأفلاج أن يتبعوها ويخدموها من أين تخطف إن كان في طريق أو في ملك أد إذا كان ممر الفلج سابق له من أول وله رسوم بالصاروج؟ أم لهم أن يخدموا في أملاك الناس إلا برضاهم ولأهل الأرض قيمة أرضهم من مجرى الفلج بما تقوّمه العدول؟ أو كيف السبيل غلى خدمة هذه الأفلاج؟ أنعم برد الجواب . الجواب : أما الذين يتبعون السواقي المأثورة من قبل فلهم أن يجددوها كما كانت ويصلحون الطرق حتى لا تكون مضرة على من يمر فيها ، وأما السواقي الحدث في الطرق فلا يعجبنا ذلك ، والمسملون ينهون عن الأحداث في الطرق ، والله أعلم).
ونجد من خلال النص أن تلك الأفلاج قد أحياها من أحياها وقد وجدت من قبل بدليل قوله: (أما الذين يتبعون السواقي المأثورة من قبل) وفي ذلك إشارة إلى قدم وجود الأفلاج في منطقة الباطنة من عمان رغم اندثار الكثير منها منذ قرون.
البرتغاليون في مسقط وصحار
ولما كانت عمان إبان الصدر الأول من العهد اليعربي والذي جاء الكتاب بنصوص علمائه ، كانت مشغولة بدحر الاحتلال البرتغالي، فللشأن ذاته نصيب من النصوص التي عالجت الكثير من القضايا الشائكة آنذاك، فنقرأ في الكتاب جواباً من الشيخ خميس بن سعيد الشقصي في حرب النصارى (أي البرتغاليين) ونصه: (وعن الإفرنج وأعوانهم من الكفار من صحار إذا كان الإمام محارباً أهل مسكد أيكون المشركون وأتباعهم من صحار حرباً للمسلمين أم لا؟ الجواب: ما دام الإمام لم يأمر بحربهم ولا بدأوا هم بحرب فترك الحرب أسلم ، وإن أمر الإمام بحربهم فيستعان بالله على حربهم ، وكل من دخل بأمان من الكفار وغيرهم وأعطاه المسلمون الأمان فهو في ذمتهم ، ولا يجوز للمسلمين استباحة مالهم ولا دمهم ، وكل من ظفر به أهل الحرب بعد مناصبة الحرب حل منه ما يحل من أهل الحرب وحكم فيه بحكم المسلمين كان من أهل الشرك أو من بغاة أهل القبلة ، والله أعلم).
وهنا يتضح بجلاء إنصاف العمانيين لعدوهم وحكمتهم في التعامل مع من دخل في ذمتهم مع توفر القدرة عليهم .
وأخيراً فإن الكتاب أنموذج للتآليف العمانية في عهد اليعاربة التي يمكن اعتبارها مصادر أساسية للتاريخ الاجتماعي لعمان لتلك الحقبة ، وليس ما أوردناه هنا سوى نزر يسير.
محمد بن عامر العيسري
